السيد محمد حسين فضل الله

51

من وحي القرآن

فهم يرون الإنسان حرا في مأكله ومشربه وألعابه وشهواته التي لا تسيء إلى الآخرين . . . كما يرون الإنسان حرا في أن يعبد اللَّه أو لا يعبده ، ولكن الإسلام لا يؤمن بهذه الحرية للفرد ، بل هو يشرّع للفرد في حياته الخاصة كما يشرّع له في حياته العامة ، ويتدخل في شؤونه الذاتية حتى في أشد الأشياء خصوصية له . . . وبذلك يتسع القانون حتى يشمل ذلك كله ، ويتّسع - تبعا لذلك - تنفيذه حتى يسيطر على ذلك كله . وعلى ضوء هذا ، فإن الاختيار لا يمنح في هذه الدائرة ، بل يمنح في دائرة اختيار الطريق في ما يعتقد وفي ما لا يعتقد ، كما أشرنا إلى ذلك آنفا . قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ إن الإسلام هو دين الفطرة في تقريره الإيمان باللَّه ، وفي ما يأمر به وينهى عنه ، ولذلك فإن الإنسان لا يحتاج في إيمانه باللَّه وبالإسلام إلا أن ينفتح على الفكرة ويرجع إليها ليلتصق بها . . . وهذا ما عبرت عنه بعض الآيات كما في قوله تعالى : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 10 ] وذلك بأسلوب الاستفهام الإنكاري الذي يوحي بأن الموضوع غير قابل للشك جملة وتفصيلا . أمّا الذين كفروا ، أو عاشوا في أجواء الشك ، فإنهم أغلقوا عيونهم عن النظر ، وآذانهم عن السماع ، وعقولهم عن التفكير لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] ، إن قضية الإيمان والكفر لدى الإنسان هي قضية استعمال أدوات المعرفة التي تفتح قلبه على الحقيقة وعينه على الحياة أو عدم استعمالها ، وليست قضية فكر معقد يحتاج إلى تحليل وتفسير ، تماما كما هي الشمس عندما تغمض عينيك ، وتبادر إلى إنكارها ، إن ذلك لا يعني وجود إشكال في وجود الشمس ، بل كل ما يعنيه هو وجود مشكلة في طريقة مواجهتك للحقيقة من خلال أدوات المعرفة التي تستخدمها للكشف عنها .